نواكشوط
رأي29 سبتمبر 2026· قراءة 2 دقيقة

إلى أين نسير... الإعلام والقيم في اختبار المستقبل

ميمة محمد أحمد/ رئيسة اتحاد إعلاميات موريتانيا

إلى أين نسير... الإعلام والقيم في اختبار المستقبل
"ما هي موريتانيا التي نريد؟ إلى أين نسير؟" السؤال ذاته من حيث الجوهر، وإن اختلفت الصيغة تبعاً للسياق. في عام 1954، طرح الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، من مدينة أطار، سؤال: «ما هي موريتانيا التي نريد؟»، عندما كانت الدولة تعيش الإرهاصات الأولى للكينونة والوجود، في بعديه المادي والمعنوي. وخلال زيارته الأخيرة للمدينة، طرح رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني السؤال: «إلى أين نسير؟»، في مسعى لتحديد الوجهة ورسم المسار. ويحمل استحضار رئيس الجمهورية لسؤال الرئيس المؤسس دلالاتٍ عدة، من بينها أن بناء الدولة مسار تراكمي، وأن الحاضر امتداد للماضي، وأن بناء المستقبل يتطلب تقدير ما راكمته الأجيال، والانفتاح على النقاش والحوار حول القضايا الوطنية. إن السؤال: «إلى أين نسير؟» يستدعي التساؤل عن الأدوات التي نستخدمها لتوجيه المسار. الإعلام... بوصلة المجتمع لا يقتصر دور الإعلام على نقل المعلومات، بل يتجاوز ذلك إلى صناعة الوعي، وفتح فضاءات للحوار وتبادل الآراء، وكشف الاختلالات، والمساهمة في مواجهة الظواهر والسلوكيات السلبية. ومن الواقعية الاعتراف بانحسار دور الإعلام التقليدي، بما له وما عليه، أمام الانتشار الهائل لمنصات التواصل الاجتماعي. وهنا تكمن إحدى أكبر تحديات المرحلة؛ إذ تعاظمت التحديات التي تواجه مهنة الصحافة، ولا يتعلق الأمر بالتكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما بمن يستخدمها. فسرعان ما تراجعت مبادئ التحقق من المعلومة، والتثبت من المصادر، ومسؤولية النشر، لحساب سرعة انتشار الشائعات والأخبار المضللة، مع ذوبان الحدود بين المرسل والمتلقي. وفي تطور ينذر بأعلى درجات الخطر على التقدم والتنمية، انساق المجتمع وراء ظاهرة «الترند»، وأصبح تصدّر منصات التواصل الاجتماعي عنواناً للنجاح والمصداقية، بموازاة تراجع الوازع الديني وغياب الضمير. الأخلاق والقيم... صمام الأمان في مواجهة الانزلاق قامت الدولة الموريتانية على أرضية مجتمعية تعلي قيم الدين والعلم، مما ساهم في ترسيخ مفهوم الدولة في وجدان المجتمع، وفي بناء رصيد ثقافي وعلمي مكّن موريتانيا من أن يكون لها حضور يتجاوز حدود إمكاناتها المادية. ومع تسارع التحولات المجتمعية تحت تأثير الثقافات الوافدة، تصدعت منظومة القيم الأصيلة، وأصبح الثراء ومظاهر الترف قيمةً مقدسة تغري المجتمع بمختلف فئاته، خصوصاً فئة الشباب، وأضحت قيم أخرى كانت من المسلّمات، كمكانة المرأة في المجتمع الموريتاني، مهددة. وما جرائم الاغتصاب وهتك العرض سوى الوجهٍ البشعٍ لظاهرة انهيار القيم. إن تنمية الوطن وبناءه مسؤولية مشتركة، تتطلب وعياً وإدراكاً يتمثلان التمسك بالثوابت الدينية والقيم الأصيلة. والتحدي اليوم ليس في امتلاك تكنولوجيا الاتصال، بل في حسن استخدامها، بما يجعل الإعلام أداةً لبناء الوعي وتعزيز القيم، لا وسيلةً لتضليل المجتمع. فالسؤال: «إلى أين نسير؟» لا يتعلق بالوجهة وحدها، بل بالأدوات و القيم التي نهتدي بها ونحن نمضي نحو المستقبل.
شارك
المصباح · 29 سبتمبر 2026